السيد هادي الخسروشاهي

113

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة

فيثبّط - في المستقبل - عزيمة كلّ من يحاول إنجاز عمل إسلامي أو تحقيق غاية إسلامية ، بل ربّما ألقى هذا الفشل ظلّاً من التشكّك في مبادئنا الإسلامية نفسها ، فنظلم الإسلام ، ونتيح للبسطاء أو المغرضين أن يحكموا عليه بتصرّفاتنا نحن ، وشتّان بين حقيقة الإسلام وواقع المسلمين . كان الوضع قبل تكوين جماعة التقريب يثير الشجن ، فالشيعي والسنّي كلُّ كان يعتزل الآخر ، وكلُّ كان يعيش على أوهام ولّدتها في نفسه الظنون ، أو أدخلتها عليه سياسة الحكم والحكّام ، أو زيّنتها له الدعاية المغرضة ، وساعد على بقائها قلّة الرغبة في الاطّلاع . كانت الكتب المشحونة بالطعن والتجريح تتداول بين أبناء كلّ فريق ، وتلقى عند كلٍّ أحسن القبول حتّى ولو تكلّمت عن طوائف وعقائد لا وجود لها على سطح البسيطة ، كما في كتاب الملل والنحل الذي يبدو لقارئه في بعض الأحيان كأنّه يتكلّم عن خلق آخرين في الكواكب الأخرى . وفي الجملة ، كان يسود الفريقين جوّ من الظلام ، فلايرى أحدهما من صورة الآخر إلّاشبحاً تحوطه الظلمة ، ولايتكلّم عنه إلّابما توحي به الظلمة ، ولا يقرأ عنه إلّا ما تسمح به حلكة الظلام . فإذا ألّف أحد من أبناء الفريقين كتاباً ، فهو لا يعرض إلّاآراء مذهبه ، ولا يدافع إلّا عنها ، ولا يسير إلّاإليها ، وإذا طلب الأمر إشارةً إلى ما في غير مذهبه ، فلا تكون أشارته إلّاطعناً واتّهاماً ، وإلّا ترديداً لما سمعه أو قرأه أو ورثه عن آبائه . وبذلك كبّروا الخلافات وضخّموها ، وردّدوا الشكوك وأسفوا فيها ، حتّى أصبح كلّ معنىً يؤيّد الوحدة يُفسّر في ظلّ الشكوك بما يوجب الفرقة ، بل وصل الأمر إلى التشكيك في وحدة المصحف ! وشكّ كثير من أهل السنّة في أن يكون مصحف الشيعة هو المصحف الذي في أيدي سائر المسلمين ! ومع ذلك لم يكلّف أحدهم نفسه مؤونة التقليب في نسخةٍ من ملايين النسخ التي في متناول يده ، ولو أنّهم فعلوا